حنين إلى الماضي

حنين إلى الماضي

حين يتسلل الحنين إلى أعماق القلب، تصبح الذكريات سفينةً بلا شراع، تبحر بنا نحو مرافئ بعيدةٍ غمرتها غبار الأيام. كم من مرة جلسنا في صمت، نحدق في الفراغ، ولكننا في الحقيقة ننظر إلى شريط حياتنا الماضي، مشاهد متداخلة تتراقص أمام أعيننا كأنها ترفض أن تُنسى. كل ضحكةٍ صدحت في الأفق، كل دمعةٍ سالت على الخد، وكل لحظةٍ بدت حينها عادية، لكنها اليوم تشع بريقًا خاصًا، يشدنا إليها بشوقٍ لا يُقاوم.

أتساءل: ماذا يجعل الماضي جميلًا هكذا؟ أهو براءتنا التي تسربت من بين أيدينا دون أن ندرك؟ أم هو شعور الاكتفاء بأبسط الأشياء؟ كان كأس الماء في ظهيرة الصيف كنزًا، وكانت الحكايات تحت ضوء القمر ملاذًا. اليوم، نحمل في جيوبنا تقنيات العالم، ولكننا نفتقد تلك البساطة، تلك القلوب التي كانت تكتفي بابتسامة، وتبني صروح الفرح من كلمة طيبة.

أذكر حين كنا نركض بلا غاية، فقط لنبني أحلامًا صغيرة في عالمنا الكبير. كانت الضحكات حينها تصدح بلا قيود، وكانت الشمس تبدو أكثر دفئًا، والليالي أكثر وضوحًا، كأن السماء آنذاك كانت تحتضننا عن قرب. كيف يمكن لعطر الماضي أن يكون قويًا بهذا الشكل؟ أيمكن لزمن مضى أن يبقى حيًا في أعماق الروح، يناديك بين حين وآخر لتعود إليه، ولو للحظات؟

أتذكر صوت أقدامنا الحافية وهي تخطو على تراب الطرقات، ذلك الصوت الذي كان يمتزج بصوت الطبيعة، بأغنيات العصافير ووشوشة أوراق الشجر. كان كل شيء ينبض بالحياة، حتى تلك الأشياء التي بدت صغيرة أو غير ذات أهمية حينها، أصبحت اليوم كنزًا نبحث عنه ولا نجده. أتذكر قطعة الحلوى التي كنا نقتسمها بحب، رغم صغرها، أتذكر؟. أتذكر صوت البئر وهو يردد أصداء ضحكاتنا؟

أتذكر تلك الليالي التي كانت فيها السماء تبدو أقرب، والنجمات أشد بريقًا؟. كنا ننام على أسطح المنازل، والهواء يعبث بشعورنا بينما نسرد حكاياتٍ نصفها حقيقي ونصفها خيال. كان القمر صديقًا، نستمد منه أحلامنا وننسج خيالاتنا. أين ذهب ذلك الوقت؟ وكيف أصبحنا غرباء عن هذا الصفاء؟.

تراودني صور الليالي القديمة، حين كنا نجلس حول مصباح الزيت أو تحت ضوء القمر، نستمع إلى الحكايات التي كانت تنسجها جداتنا بإتقانٍ أشبه بالسحر. لم يكن المهم أن تكون الحكاية حقيقية، بل كيف كانت تملأ قلوبنا شغفًا وتجعلنا نرسم صورًا من الخيال. تلك الأصوات الدافئة ما زالت ترن في أذني، كأنها تحاول أن تعيدني إلى ذلك الزمن.

الماضي كان بسيطًا، ولكنه كان مفعمًا بالمعاني. كنا نحيا التفاصيل، نغرق في لذة اللحظة دون أن ندرك قيمتها الحقيقية. اليوم، وسط زحمة الحياة وتسارع الوقت، نتوق إلى تلك اللحظات، إلى الأيام التي كان فيها الانتظار لرسالةٍ مكتوبةٍ على ورق يحمل من الشوق أكثر مما تحمله مئات الكلمات الآن في رسائل الهاتف.

أين ذهبت تلك البراءة؟ وأين اختفت تلك القلوب التي كانت تفرح بأبسط الأشياء؟ اليوم، نمتلك العالم في جيوبنا، ولكننا فقدنا تلك البساطة. أصبحت الضحكة أقل صدقًا، والفرح مشروطًا بأشياء أخرى. ولكن مع كل هذا، الحنين يعيد إلينا شيئًا من ذلك النقاء. يجعلنا نتساءل: هل كانت الحياة أجمل أم كنا نحن أجمل؟

وفي لحظات السكون، أتساءل: هل كان الماضي أكثر نقاءً لأننا كنا أنقياء؟ ربما هو الحاضر الذي يثقلنا بمتطلباته، يجعلنا نتوق إلى ما مضى. أو ربما، لأن الحنين هو محاولة لاستعادة جزءٍ منا فقدناه، ولم نعد نجد له أثرًا في زحمة الأيام.

إلى الماضي الذي لن يعود، شكراً لأنك كنت، شكراً لأنك تركت فينا أثرًا لا يمحوه الزمن، وشكراً لأنك تهبنا بين حين وآخر فرصة للعودة إليك، ولو للحظاتٍ قصيرة، عبر أجنحة الحنين.

أيها الماضي، يا من تحيا في أعماقنا، شكراً لأنك تمنحنا فرصة العودة إليك في أحلامنا. شكراً لأنك تعيدنا إلى حيث كنا أكثر صدقًا مع أنفسنا. شكراً لأنك تذكرنا أن الحياة ليست فقط ما نعبره، بل ما نحمله معنا من ذكريات. الحنين إليك ليس ضعفًا، بل هو قوة تجعلنا نحتضن حاضرنا بشغف، لأننا ندرك الآن قيمة كل لحظة، وقيمة كل ذكرى نصنعها.

إلى تلك الليالي المقمرة، إلى الطرقات القديمة، إلى تلك الضحكات البريئة التي ملأت صداها الأفق، إلى كل ما مضى، شكراً لأنك كنت وما زلت، نبضًا ينبض في أعماق الروح.

 

 

 

 

هل أعجبك هذا الموضوع.. شكرا لمشاركتك له :)

اترك تعليقاً